فتاوى.com

فتاوى

الفتوى بيانٌ للحكم الشرعي في مسألةٍ يسأل عنها المسلم عندما يلتبس عليه أمر دينه أو دنياه. وهي جسرٌ يصل بين نصوص الوحي وواقع الناس المتجدّد، لذلك أحاطها العلماء بضوابط دقيقة تحفظها من العبث والتساهل. في هذا الدليل نوضّح معنى الفتوى وأركانها، ومن يحقّ له الإفتاء، وكيف تختار مصدرًا موثوقًا لتسأله بثقةٍ وطمأنينة.

الفرق بين الفتوى والقضاء والحكم الشرعي

يخلط كثيرون بين الفتوى والقضاء، مع أنّ بينهما فروقًا جوهرية. فالفتوى إخبارٌ عن الحكم الشرعي غير مُلزِمٍ بذاته، إذ يبقى للسائل أن يعمل به طواعيةً بينه وبين الله، ولا تُنفَّذ بقوّة السلطان. أمّا القضاء فهو إلزامٌ وفصلٌ في خصومةٍ بين طرفين، يصدره القاضي بحكمٍ نافذٍ تلزم به الجهات المختصّة. كما أنّ الفتوى تكون عامّةً قد يستفيد منها كلّ من وقع في مثل الواقعة، بينما القضاء خاصٌّ بالنازلة المعروضة وأطرافها. وأمّا الحكم الشرعي فهو وصف الشارع للفعل بالوجوب أو الحرمة أو غيرهما، والفتوى إنّما تكشف عن هذا الحكم وتبيّنه للناس.

من يحقّ له الإفتاء؟ شروط المفتي

ليس كلّ من قرأ أو حفظ أهلًا للإفتاء، فقد اشترط العلماء في المفتي شروطًا تحفظ الفتوى من الزلل. فيُشترط أن يكون عالمًا بأدلة الأحكام من الكتاب والسنّة، عارفًا بمواضع الإجماع والخلاف، مُدركًا لمقاصد الشريعة وقواعدها الكلّية. ويُشترط كذلك فهم اللسان العربي الذي نزل به القرآن، والعلم بأصول الفقه وطرائق الاستنباط. ومن أهمّ ما نبّه عليه المحقّقون فقه الواقع، أي معرفة حال السائل وملابسات مسألته، إذ قد يختلف الجواب باختلاف الأحوال. وإلى جانب العلم يُشترط في المفتي التقوى والورع وتحرّي الحقّ، فالفتوى أمانةٌ لا يحملها إلّا أهلها.

مصادر الفتوى الموثوقة والمؤسسات الرسمية

من حكمة طالب الحقّ أن يقصد بسؤاله أهل العلم المعروفين بالرسوخ والاعتدال. وفي كثيرٍ من البلدان الإسلامية دُور إفتاءٍ ومجامع فقهية وهيئاتٌ علمية تتولّى بيان الأحكام في المسائل العامّة والنوازل الكبرى، ويجتمع فيها العلماء لدراسة المسألة قبل إصدار قرارها. ومن المطمئنّ للسائل أن يعتمد على هذه الجهات المؤسسية في القضايا الجماعية التي تمسّ عموم الناس، لأنّها تصدر عن مشاورةٍ ونظرٍ جماعي لا عن رأيٍ فردي. أمّا في مسائله الخاصّة فيسأل من يثق بعلمه ودينه من العلماء، ويحرص على أن يعرض مسألته كاملةً بلا كتمانٍ ولا تحوير حتى يأتيه الجواب مطابقًا لحاله.

آداب الاستفتاء: كيف تسأل وتختار

للاستفتاء آدابٌ ينبغي أن يراعيها من يطلب الحكم الشرعي. فأوّلها إحسان طرح السؤال وتصويره بدقّة، فكثيرٌ من الخطأ في الجواب سببه غموض السؤال أو نقص المعلومات التي بناه عليها المفتي. ومنها أن يقصد السائل معرفة الحقّ والعمل به، لا تتبّع ما يوافق هواه أو يبرّر ما يريد. ويُستحبّ أن يتخيّر السائل من يسأله ممّن عُرف بالعلم والأمانة، فإنّ الدين نصيحةٌ والفتوى دينٌ يُتلقّى. وإذا أفتاه العالِم فليس عليه أن يطالبه بالدليل تعنّتًا، وإن سأل عنه استرشادًا وطلبًا للطمأنينة فلا حرج، فمقصود الاستفتاء البصيرة في الدين لا مجرّد المعرفة العابرة.

فتاوى النوازل والمسائل المعاصرة

تتجدّد الحياة وتظهر وقائع لم تكن معروفةً من قبل، وهذه تُسمّى النوازل، وهي ميدانٌ واسعٌ للاجتهاد المعاصر. فمن المسائل ما يتعلّق بالمعاملات المالية الحديثة وصورها المستجدّة، ومنها ما يتصل بقضايا الطبّ والأسرة والتقنية ووسائل الاتصال. والنظر في هذه النوازل يقتضي جمعًا بين رسوخ العلم الشرعي وفهم حقيقة الواقعة على وجهها الصحيح، فقد يحتاج المفتي إلى استشارة أهل الاختصاص كالأطباء أو الاقتصاديين لتصوّر المسألة قبل الحكم عليها. ولهذا كانت المجامع الفقهية الجماعية أقدر على معالجة النوازل الكبرى من الأفراد، لأنّها تجمع خبرات متعدّدة وتوازن بين المصالح والمفاسد قبل أن تقرّر.

مخاطر التساهل في الفتوى وفوضى وسائل التواصل

من أعظم ما تعانيه الساحة اليوم انتشار الفتوى بلا ضابط عبر وسائل التواصل، حيث يتصدّر للإفتاء من لا يملك أهليّته، فتكثر الأقوال الشاذّة والمتناقضة وتضطرب أفهام الناس. وقد حذّر العلماء من القول على الله بغير علم وعدّوه من كبائر الذنوب، كما حذّروا من تتبّع الرخص والتنقّل بين الأقوال طلبًا للأيسر دون بيّنة. والسبيل إلى السلامة أن يتحرّى المسلم مصدر الفتوى، فلا يأخذ دينه من مقطعٍ عابرٍ أو حسابٍ مجهول، بل يرجع إلى العلماء المعروفين والجهات المعتبرة. وينبغي كذلك التفريق بين الفتوى العامّة المنشورة والفتوى الخاصّة التي تُبنى على حالٍ بعينها، فما صحّ لشخصٍ في ظرفه قد لا يصحّ لغيره.

ما معنى الفتوى؟

الفتوى في اللغة مأخوذة من الفتاء والفُتيا، وهي الإبانة عن الحكم والجواب عمّا أُشكل من المسائل. وفي الاصطلاح الشرعي هي الإخبار عن حكم الله تعالى في نازلةٍ أو واقعةٍ استنادًا إلى الأدلة من الكتاب والسنّة وما تفرّع عنهما من إجماعٍ وقياس. والمفتي في هذا المقام مُخبِرٌ ناقلٌ عن الشرع، لا مُنشِئٌ لحكمٍ من عنده، فهو يبيّن ما يراه حكم الله في المسألة بحسب اجتهاده وعلمه. ولذلك عظُم شأن الفتوى عند العلماء وسمّوا المفتي موقّعًا عن ربّ العالمين، تنبيهًا على خطورة الكلام في دين الله بغير علم.

مسائل يكثُر السؤال عنها

هل الفتوى مُلزِمة؟

الفتوى في ذاتها إخبارٌ عن الحكم الشرعي وليست إلزامًا كالقضاء، فمن استفتى عالمًا فالأصل أن يعمل بما أفتاه فيما بينه وبين الله متى اطمأنّ إلى علمه ودينه. لكنّها لا تُنفَّذ بقوّة السلطان كما يُنفَّذ حكم القاضي، إذ يبقى العمل بها راجعًا إلى ذمّة المستفتي وتقواه.

هل يجوز أن أسأل أكثر من مُفتٍ في المسألة الواحدة؟

لا حرج أن يسأل المسلم أهل العلم طلبًا للطمأنينة والبصيرة، لكن المذموم هو تتبّع الرخص، أي التنقّل بين الأقوال بحثًا عن الأيسر الموافق للهوى بلا بيّنةٍ ولا ترجيح. والأولى أن يعتمد على من يثق بعلمه ودينه، ويعرض مسألته كاملةً حتى يأتيه الجواب مبنيًّا على تصوّرٍ صحيح.

ما الفرق بين المفتي والقاضي؟

المفتي يُخبِر عن حكم الله في المسألة إخبارًا عامًّا غير مُلزِمٍ بذاته، بينما القاضي يفصل في خصومةٍ بين طرفين بحكمٍ نافذٍ مُلزِم. كما أنّ فتوى المفتي قد ينتفع بها كلّ من وقع في مثل الواقعة، أمّا حكم القاضي فخاصٌّ بالنازلة المعروضة وأطرافها.

كيف أتأكّد من صحّة فتوى منتشرة على الإنترنت؟

تحرَّ مصدر الفتوى قبل الأخذ بها، فلا تعتمد على مقطعٍ عابرٍ أو حسابٍ مجهول، وارجع إلى العلماء المعروفين بالرسوخ أو إلى دُور الإفتاء والمجامع الفقهية المعتبرة. وانتبه إلى الفرق بين الفتوى العامّة والفتوى الخاصّة، فما صحّ لشخصٍ في ظرفٍ معيّن قد لا يصلح لك في حالك.

هل تختلف الفتوى باختلاف الزمان والمكان؟

قد تختلف الفتوى تبعًا لتغيّر الأحوال والأعراف والظروف في المسائل التي مناطها المصلحة والعادة، وهذا ما قرّره العلماء في قاعدة تغيّر الفتوى بتغيّر الأزمان والأمكنة والأحوال. أمّا الأحكام الثابتة بالنصوص القطعية فلا تتبدّل، وإنّما يقع التغيّر في تنزيل الحكم على الوقائع المتجدّدة.

ماذا أفعل إذا اختلفت الفتاوى في مسألةٍ واحدة؟

اختلاف الفتاوى قد يكون سببه اختلاف تصوّر المسألة أو تعدّد الاجتهاد المعتبر بين أهل العلم. والأولى أن ترجع إلى من هو أرسخ علمًا وأوثق دينًا، وأن تسأله عن وجه اختياره لتطمئنّ إليه، مع قصد الوصول إلى الحقّ والعمل به لا انتقاء ما يوافق الهوى.